التوحيد والايديولوجيا

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

التوحيد والايديولوجيا

مُساهمة  noeeleesa في الخميس أغسطس 30, 2012 5:42 am


التوحيد والأيديولوجيا

قال صديقي "العلماني" المصري، وهو يُحاورني: أنا كعلماني؛ من الممكن أن أتصالح مع من يُصنِّف نفسه كإخواني (أو إسلامي)، لكنّي غير قادر على فهم من ينحاز لي ساعة، وينحاز لهم أخرى. فمثل هذا الشخص يُدمِّر ثُنائيّة الخير والشرّ التي استقرَّت في تصوّري. إن رفضك التقسيمات الموجودة يجعل موقفك صعباً ومقلقاً. وقبلها بيوم أو بعض يوم؛ كان صديقي "السلفي" السعودي يتحدث عني قائلاً: أنا تارة أظنُّه شيعيًّا، وتارة صوفيًّا، وتارة سلفيًّا، وتارة قُطبيًّا، وتارة ليبراليًّا .. لقد عجزت عن فهمه.
(لجأت لتصنيف الصديقين الذين استعنت بشهادتهما بناءًا على ما ارتضياهُ لنفسيهما، ولو خالف ذلك ما أذهب إليه. ولاحظ أن العلمانيين الذي يفرقون مما يسمّونه "الحقيقة المطلقة"؛ يدعون لتبنّي مطلقات من نوع آخر. كما أن السلفيين الذين يُعتبر تجاوز المذاهب أحد لوازم رؤيتهم؛ قد أصبحوا هم أنفسهم من دعاة التمذهُب!).

يذكُر أستاذنا المسيري رحمه الله أن النازيين كانوا يناصبون اليهود الاندماجيين العداء بسبب عدم وضوحهم، بينما كانوا يتعاونون مع الصهاينة لأنهم أصحاب "هوية يهودية" متميِّزة وواضحة (ولو كانت مُعادية!).

إن هذا التصوّر هو الأصل المشترك والكامن البنيوي في كُلّ الأيديولوجيّات، وهو الصورة الأخيرة و"النهائيّة" للمذاهب الوضعيّة المنغلقة: السلفيّة والليبراليّة والأشعريّة والماركسيّة والإثنى عشريّة والأناركيّة .. إلخ. الوقوف على ظاهر العمل وتصنيف صاحبه، واعتبار هذا التصنيف في حدّ ذاته ُمقاماً نهائيّاً ذي طبيعة طوباويّة (من الطوبيا وهي تعريب Utopia، وهو قدح وليس مدحاً كما ظنّ بعض من ترجموها جهلاً وعُجمة؛ بالمدينة الفاضلة، وذلك كما سنفصّل في ورقة تالية)، ومن ثمّ فهذا العمل -عندهم- ليس قابلاً للنقض ولا للمراجعة أوالتغيير. وأصحاب هذا التصوّر قد يتعاونون مع العدوّ المُجحف، ولكنَّهُم لا يُطيقون الإنسان الربّاني المُقسط!

إن أصحاب هذه العقليّة المولعة بقوالب التصنيف الجاهزة يُدركون الواقع بطريق واحدة، برغم تبايُن النتائج النهائيّة لهذا الادراك. فالنموذج الذي يحكم تصوّراتهم نموذج واحد كما فطن لذلك مالكوم إكس رحمه الله حين رفض أيديولوجيّة منظّمة "نيشن اوف إسلام" Nation of Islam، لأنه رأى فيها مُجرّد مقلوبٍ لعُنصريّة البيض؛ عُنصريّة سوداء جديدة تتبنّى نفس الخطاب العنصري للبيض لكن هذه المرّة بديباجات زنجيّة وموجّهة للبيض أنفسهم. وهو الفخّ الذي ابتلع المدرسة القديمة لتيّار ما بعد الكولونياليّة، رُبّما بغير وعي. التقوقُع في ثنائيّة برّانيّة صلبة (خير أوشرّ)؛ تسعى لتعريف الوافد الجديد من خلال الوعي الأيديولوجي/المذهبي الضيّق (ملاك مُجنَّح من جماعتنا أو شيطان بغيض من الحزب المناويء)؛ فهو إما معنا أو علينا، كما اشتهر عن العلج جورج دبليو بوش!

إن الشخص المؤدلج/المتمذهب كائن مُتشيء كاﻵلة، لا يرى إلا اللونين؛ الأبيض والأسود، لكنه لا يرى الإنسان الربّاني المُركَّب والمجبول على كلٍ من الخير والشرّ. وليستطيع المعالج الموجود في دماغه إدماج الشخص الجديد في وعيه، فيجب تصنيفه في إحدى الخانتين اللتين بُرمج النظام اﻵلي السخيف عليهما؛ عدو أو صديق، وما عدا ذلك، فهو لا يُمكنه إدراكه فحسب، بل يُنكر وجوده أصلاً!
لقد أشار أستاذنا بيغوفيتش رحمه الله إلى أننا لا نُدرك الواقع كما هو، فللواقع دلالات مُتخيّلة قد تكون أكثر أهميّة من الحقائق الموضوعيّة ذاتها. وإن كان هذا أوّل الفروق الفرديّة، فهو أوّل الهوى كذلك، وآخره تألُّه الهوى وتكوّن الأيديولوجيا/المذهب؛ بعضُ الحقّ وقد اختلط بكثيرٍ من الباطل. ثُمّ يبدأ الإنسان باستخدام الأيديولوجيا كرؤية كونيّة؛ أي يرى العالم ويُقيّمه من خلال هواه/هويّته (مذهب أوحزب أوطائفة أوتنظيم) الذي أمسى ديناً؛ مُفارقاً التوحيد، وإن ظنّ أنه يستظلّ به.

إن هذا الاستسلام للهوى يؤجج صراع الإنسان مع أخيه الإنسان، فهو ينطلق من اعتبار الخير والشرّ كليهما وجودً برّانيا محضا، فإن كان الحق هو أنا (أو ما أمثلُه)، فإن الجحيم هو الآخرون كما قال سارتر. لكن التوحيد يبدأ بشغل الإنسان بصراعه مع نفسه، ومع شهواته؛ مع جحيمه الحقيقي (صراع الخير والشرّ الجوّاني)، فالحق لا يُمكن أن يتجسّد في شخص، بل أقصى ما يطمع فيه ذلك الشخص هو السير على دربه، وربما لهذا كان التوحيد والشرك ثنائيّة صلبة أكثر واقعيّة وإنسانيّة من الإيمان والإلحاد. إن إدراك التركيبيّة الإنسانيّة، وقابليّة الخلق جميعاً للخير والشرّ؛ هو الباب الإنساني الوحيد للسلام البرّاني: السلام الاجتماعي. أن تمتنع عن إيذاء أخيك الإنسان رحمة به، ألا تمُدنّ عينيك إلى ما مُتِّع به غيرُك صوناً لقلبك من الحقد والحسد، أن تُعطي من رزقك تزكية لنفسك … إلخ. ولهذا بدأت كل الدعوات الدينيّة بالإصلاح الجوّاني؛ تقويم الخُلق واستقامة الطويّة. أما دور الفقه والقانون فثانوي؛، إذ يقتصر على تنظيم الآثار البرّانيّة، فهُما أعجز ما يكون عن إنشاء حُقوق إنسانيّة لم ترسخ في الفطرة، ولم يخفق بالاستجابة لها ضمير الإنسانيّة.

ولذا، فإن الأيديولوجيا، على عكس التوحيد؛ تبدأ بالفقه والقانون، وتتجاهل الضمير الإنساني، أو تُنزله منزلة ثانويّة، فهي تتعامل مع الإنسان كما يتعامل معه السلوكيّون السُذّج؛ باعتباره كمّا حيّزيا برّانيا، وأن الخير والشر نهائيّان، وأن الأشرار والأخيار مُعيّنون منذ البداية، وأنه لا مجال لتضييع الوقت في غير قتال الشرّ البرّاني. إن جوهر الحياة هنا وقيمتها العُليا هي في الصراع البرّاني مع "الآخر"، كما يرى ميكيافيللي وهوبز وروسّو مثلاً، وهذا هو جوهر المنظومات الوثنيّة والشركيّة على مدار التاريخ: الثنويّة البرّانيّة، والعنف المفرط لفرض رؤيتها. فهي لا تستطيع الحياة بدون عدوّ برّاني، أو "تحدّي حضاري" كما سمّاه أرنولد توينبي، ونقله عنه بعض المسلمين، باعتباره "ناموساً" للحركة الإنسانيّة!

إن الإسلام يُعطي الصراع البرّاني مع اﻵخر حجمه الحقيقي؛ الهامش، ويجعل له هدفاً وحيداً: تحرير النفس الإنسانيّة من ثقل الواقع وطواغيته، وليس فرض رؤية أيديولوجيّة عليها بشكل قسري، كما يفعل التمركُز حول العنف.

إن هذا النموذج قد يُفسِّر الانشغال المفرط لبعض الجماعات "الإسلاميّة" المُسلَّحة بمُحاربة "العدوّ الداخلي"، وحذوها في ذلك حذو مدرسة ما بعد الكولونياليّة، وسائر التيّارات الرومانتيكيّة (التقوقع في الاحتجاج على نسق ومسار تاريخي معيّن)؛ في محاولة لتطهير الواقع من العناصر "المعادية" لأيديولوجيّتها؛ وصولاً إلى "جحيم" الطوبيا المنشودة! لكن المتأمل للمنتج النهائي وللمسار الحركي، يجد أنه مُجرَّد مقلوب للسياسات العلمانيّة الملحدة في إقصاء اﻵخر وتهميشه بواسطة الصياغة الأيديولوجيّة لعمليّة "التحرُر".

على الجانب الآخر؛ نجدُ أن نبيّ الإسلام صلى الله عليه وسلَّم قد أُمِر بقبول علانية المنافقين، وإيكال سرائرهم إلى الله؛ حفاظاً على تركيبيّة المجتمع الإسلامي وتنوّعه، والتي اقتضتها المشيئة الإلهيّةُ ابتداءً، رُبّما لموافقتها لمغزى الكَبَد الإنساني داخل التاريخ. بل لقد اقتضت المشيئةُ الإلهيّة عدم مُلاحقة المنافق أو الكافر قضائيًّا -باصطلاحنا المعاصر- إلا إذا ترتَّب على اعتقاده أثرٌ ماديّ برّانيّ، يُمكن قياسُه؛ أثرٌ يُهدد النظام العام للمجتمع الإسلاميّ.

لقد وقع في هذا الفخّ الرومانتيكي بعض من انتقدوا الحضارة الغربيّة، فضلاً عمن نظّروا لما يُسمّى ب"الاستغراب"، باعتبارُه مقلوباً للاستشراق؛ أو محاولة لتشكيل الهويّة الذاتيّة من خلال نفي الآخر (أو تصوّره) من الإدراك.

إن نقد الآخر المُشرك يجب ألا يكون إثباتاً لذاتٍ توحيديّة متوهَّمة؛ كما تفعل المدرسة الرومانتيكيّة ما بعد الكولونياليّة مثلاً، وإلا عُدّ ذلك توثيناً لذات المستخلف بوضعها في المركز. إن النقد في التصوّر الإسلامي ليس لبنة في مشروع بناء الذات الموحَّدَة الموحِّدة، وإنّما يقوم ذلك النقد مقام جهاد الطلب -معرفيًّا وثقافيًّا- في تقويض وإزاحة وإزالة الأنساق الأيديولوجيّة الشركيّة (أو الأصنام المعرفيّة) من المركز، والتي تحجب التوحيد عن الإنسانيّة؛ وذلك لإقامة الحُجّة الرساليّة على بني آدم. إن إسقاط وتهشيم كُلّ الطواغيت هو تمهيدٌ للبناء، والذي قد لا يتيسر أصلاً، فقد تُعُبِّد المؤمنون بإزالة الطواغيت وإقامة الحُجّة، وما عدا ذلك، فموكولٌ لمن لا يُسألُ عمّا يفعل، وهُم يُسألون.

في تعريف الأيديولوجيا

والأيديولوجيا/المذهُب دين مادي وضعي (حتى لو كان ذي جذور إسلاميّة) يعتنقه البعض كمحاولة للتغلُّب على أزمة الهويّة والاغتراب وذلك لمواجهة واقعٍ لا يستطيع فهمه أو التعايُش معه أو الاندماج فيه، وهي رؤية ماديّة صلبة مُعادية للواقع وتسعى لتغييره برغم عجزها وعدم قابليتها للتحقُق بسبب صلابتها وحتميّاتها الماديّة. فهي إن لم تتحقق؛ تتحطم، وهو الغالب الأعمّ. إن تحطمها السريع حتمي بسبب طبيعة النسق المادي الذي صدرت عنه. أما الانتقال الرومانتيكي من أيديولوجيّة محطّمة لأخرى لم تتحطم بعد؛ فيتم بسهولة وسلاسة بسبب تشابُه الطبيعة البنيويّة الشركيّة لها جميعاَ، ووحدة المصدر المادّي وصلابته.

وقد تقلّ صلابة الأيديولوجيا ويطول عمرها بزيادة العناصر الميتافيزيقيّة (أو عناصر الحق)، فتزداد مرونتها وليونتها وتقلّ قابليّتها للتحطُّم العاجل، فتتماهى مع الواقع لتفقد أبرز سماتها: صلابتها و"نقائها" الماديّ، لتبقى دهوراً متطاولة في حس الدراويش؛ مستمرّة في الوجدان بفعل فقدانها لصرامتها المادية -أهم معالمها- واختلاطها بالميتافيزيقا الشخصية لهؤلاء الدراويش، فتتحول لشكل من أشكال "الذكر" الغنوصي والتسبيح الوثني لإله غامض بلا ملامح، لتنحرف تماما وكلياً عن تصورها المادي الأصلي. فلا هي استمرت أيديولوجية صلبة، ولا هي سقطت، وإنما أفرزت ميتافيزيقا بلا أخلاق ولا التزامات من أي نوع؛ مجرد تعويض نفسي للخيبة والإخفاق الأيديولوجي.

وقد تتحقق الأيديولوجيا جُزئياً بتكلفة إنسانيّة مُفزعة تزيد بتزايُد معدلات التحقق في الواقع وطول اللحظة النماذجيّة، ولعل في اللحظات النازيّة والستالينيّة والماويّة والناصريّة والبعثيّة والسعوديّة والإيرانيّة؛ أمثلة جليّة على الثمن الذي تكبّدته تلك الشعوب لقاء التحقُق القصير.

إن كافّة الأنساق المعرفيّة الإنسانيّة -بطبيعتها- تحتفظ بخطّ دفاع ذاتي. وعلى عكس الأنساق المنفتحة بالتوحيد، والمرتبطة بمصدره والتي لم تنقطع علاقتها بمركزه المتجاوز (بدوام الاجتهاد في رحاب الوحي)، فإن الخط الدفاعي للأنساق المنغلقة بالأيديولوجيا (سواء بسبب انفصالها عن مصدرها المتجاوز أو لأن مصادرها أصلاً وضعيّة)؛ هو خطّ وهمي لأنه كامن داخل النسق. إنها انساق حلوليّة كمونيّة، ومن ثمّ، فإن خط الدفاع يقوّضها ولا يقوّمها، إن كسرها هو تقويض نهائي للنسق ومطلقيّته وخط دفاعه، مما يخلق حالة فراغ صفريّة -على المستوى النظري- تسمح بفرض أي نسق جديد.

إن طبيعة الرؤية الكونيّة الأيديولوجيّة المشركة (الرؤية التي تحدد شكل وطبيعة العلاقات بين الإله والإنسان والطبيعة) هي رؤية العالم كجُزر مُنعزلة مُتصارعة؛ شظايا مُتناحرة لا يجمعها رابط سوى القهر الوحشي والعنف الدموي؛ لتحقيق الطوبيا المرجوّة. إن هذه الأنساق لا يُمكنها تحقيق أيّ تعايُش جوّانيّ، ومن ثمّ تسعى لتحقيق تعايُش برّاني، بإيجاد عدوّ برّاني مُشترك يصرفها عن صراعاتها البينيّة، بصراع أكبر. وقد صدق أرنولد توينبي في وصف ذلك بأنه لُبّ فلسفة البقاء، لكنّه ليس لُبّ فلسفة بقاء الغرب فحسب، بل لُبّ فلسفة بقاء أي ظواهر شركيّة. إنّ الأزمة تكمُن في التنظير لهذا الانحراف باعتباره حالة الطبيعة/الفطرة! ويرجع ذلك لانطماس الوجود الجوّاني للإنسان تماماً، واختزاله في وجودٍ مادّيّ برّانيّ. ومن ثمّ، فإن محاولة التحقُق طبقاً لهذا التصوّر لا تكون من خلال مكابدة النفس، بالتزام المنهج الربّاني في الكبد داخل التاريخ؛ طمعاً ببعض الإشباع القلبي لتهدئة الشعور وضمان استمرار الكَبَد الدنيوي بأقل قدر من الاحتكاك البرّاني، بل تُختزل المسألة بتركيبيّتها في عمليّة برّانيّة تماماً؛ الصراع مع الآخرين لإيقاف التاريخ، وتحقيق الطوبيا البرّانيّة. إن هذا الصراع يُرسِّخ العناصر المُشركة في الوجود المتشظّي، ويُطيل عُمر الأنساق الأيديولوجيّة، بما أنَّهُ يُجنِّبها أي صدام جوّانيّ حقيقيّ قد يؤدي لتآكُل شرعيّتها ويُقوِّضها.

ولأن الأيديولوجيا، كنسقٍ وضعيّ منغلق، هي بطبيعتها نسق صراعيّ، فإن المواجهة معها حتميّة كذلك؛ لكن ليس بنسق صراعيّ شركي مثلها، بل بنسقٍ توحيديّ مُنفتح؛ قادر على ازدرادها وضرسها وابتلاعها وهضمها، ولفظ عناصر الشرك فيها إبقاءًا على عناصر الفطرة السويّة، لتنميتها؛ لعلّ ذلك يُمهّد لأوبتها لخالقها. ورُبّما لهذا السبب أمر المولى رسوله بقبول علانية المنافقين بل وقبول المشركين فُرادى ما أرادوا الاندماج في مُجتمع التوحيد. إذ أن قبول المنافقين والمشركين -فُرادى- للنسق الاجتماعي التوحيدي يعني غلبة الأصل الفطري على الهوى، ومن ثمّ حتميّة انفتاح أنساق أكثرهم إن عاجلاً أو آجلاً؛ إمّا بالعودة للألوهيّة أوعلى الأقلّ بتفيؤ ظلالها على المجتمع.

ويُفرِّق البعض بين الأيديولوجيا والإبستمولوجيا (المعرفي أونظريّة المعرفة). باعتبار أن الأيديولوجيا ليست نسقاً أو رؤية فلسفيّة فحسب، بل هي الربط الديماغوغي التعبوي شبه الحتمي بين الفكرة والفعل السياسي، أو بين الفعل الديني والتمكين الدنيوي، أو بين المعرفة ونتائجها العمليّة (البراغماتيّة)، أو بين البنى الفوقيّة والبنى التحتيّة (الماركسيّة). في حين يرون أن الإبستمولوجيا هي المعرفي، أوالديني، أو الثقافي، أوالبنية الفوقيّة، أو الفكرة، أو أي بناء نظري مُجرَّداً. لكن هذا التصوّر الشائه يرجع للتغافُل عن أن الإبستمولوجي -حتى لو كان ذي طبيعة دينيّة- هو وضعي قُحّ. إنه بناء واه قوامه الظنون الإغريقيّة عن المعرفة ومصادرها، ومذهبهم في القول بأن المعارف (الكُليّة خصوصاً مثل معرفة الإله) نظريّة بالأساس، ومن ثمّ فبإمكان كل أحد الوصول إليها.

ولذا كان الديالكتيك (الجدل المادّي) هو أسمى مصادر المعرفة في هذا التصوّر، الذي ظلّ مهيمناً على الغرب حتى هدمته الإمبريقيّة -عمليًّا- ابتداءا من فرانسيس بيكون -كاره أرسطو والمعرفة النظريّة- و"تجريبيّته"، لكنّ الإمبريقيّة ظلَّت محصورة داخل مجال العلوم الطبيعيّة، في حين هيمنت التيّارات الهيومانيّة الرومانتيكيّة على ما يُسمّى ب"العلوم الإنسانيّة" لفترة طويلة. بل إن تراجع هذه الرومانتيكية في القرن العشرين، لم يؤد لإحلال الإمبريقيّة بالكامل، وليس ذلك لسبب سوى الفطرة البشريّة؛ أو الميتافيزيقا اللاواعية: ميثاق الفطرة.

إن الإبستمولوجي ليس نقيضاً للأيديولوجي، بل هو بنيته النظريّة. فإذا كانت المعرفة نظريًّة كما يزعم الإغريق، فإنها تذوي إن لم ترتبط ارتباطاً ماديًّا حتميًّا بالفعل اﻵني، ولهذ تموت جُلّ الفلسفات عمليًّا بسبب طبيعتها النظريّة؛ إذ أن 99% من سكّان الكوكب لا يعيشون وفقاً لفلسفة معيّنة، في حين يغرق أكثرهم في الأيديولوجيّات/المذاهب المختلفة.

إن الإبستمولوجي في جوهره أيديولوجيّة/دين وضعي تمّت "ترقيته" بتطعيمه بالميتافيزيقيا -الغنوصيّة- وصوغه في قالب نظري أكثر عُمقاً وتركيباً، ليحلّ -نظريًّا أيضاً- محلّ الرؤية الكونيّة ذات المصدر المتجاوز. وبعبارة أخرى، فإن الإبستمولوجي هو اللاهوت الوضعي الذي يُضفي القداسة على الفعل الحركي، ويحجب الوحي مضفياً على النسق المنغلق بالشرك بُعداً ميتافيزيقيًّا يمنحه قدراً من التماسُك، وقُدرة على الاستمرار.
في رحاب التوحيد

ويُناقض التوحيد ما سبق جوهريًّا، برغم أنه يربط بين نفس الثنائيّات التي تربط بينها الأيديولوجيا (ورُبّما لهذا السبب ضُلل كثير من المسلمين)؛ إلا أنه ليس ربطاً حتميًّا، بل مُعلقّ كُليًّا بقوى ميتافيزيقيّة لا تسري عليها الحتميّات الأيديولوجيّة الماديّة؛ بالإرادة الإلهيّة. فإن كان الفعل الديني في الإسلام طريقاً للتمكين الدنيوي؛ لاكتمال التحقُق الاجتماعي للدعوة، إلا أنه ليس شرطاً لقيام المستخلف بمهمّته. بل هو ليس أصلاً بشرط من شروط الاستخلاف. وإن كانت قاعدة حاكمية عالم الغيب على عالم الشهادة تشي بذلك التمكين ضمناً، فإنها تفرض احتماليّة، وليس حتميّة ماديّة. فتحقُق الإنسان بالفعل الديني قد يؤدي للتمكين الدنيوي بإذن الله، وقد لا يؤدي لحكمة يعلمها سبحانه.


إن التوحيد ليس نسقاً مناوئاً للشرك ولا أيديولوجيّة تتصارع معه برّانيًّا في عالم الشهود، فكل ما في الوجود يُسبّح بحمده ابتداءا. إنما التوحيد ذخيرة إلهيّة يُرسل بها الرُسل مُبشّرين ومُنذرين؛ ذخيرة جوّانيّة يستعين بها المُستخلف على الطين الذي جُبل منه، لئلا يطول إخلادُه إليه، وليعلم أنه لم يُخلق لهذا الإخلاد ولو كان لصيقاً بطبيعته. والجهاد طبقاً لهذا التصوّر ليس صراعاً برّانيًّا مُجرّداً بين التوحيد والشرك، ولا هو مُحاولة لفرض التوحيد عنوة على المشركين، بل هو دوام سعي المستخلف -مستعيناً بالذخيرة الإلهيّة الجوّانيّة- لكسر طوق الشرك المنغلق على رقاب العالمين (سلطة، منفعة، لذة .. إلخ)؛ إقامةً للحُجّة عليهم لعلّهم يعودوا للفطرة. إنه استكمالٌ للجهد الجوّاني في تهيئة البيئة البرّانيّة للسلام الاجتماعي، والتزام بالقاعدة القرآنيّةSadلَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، وهو في ذلك عكس الأيديولوجيا/المذهب التي ينطوي اعتناقها على رغبة كامنة في إكراه الآخرين عليها.

إن التوحيد لا يتخندق برّانيًّا في مواجهة الشرك، فيختزل نفسه في محاولة كسره والتغلُّب المادّي عليه، بل إنّهُ لا يواجهه أصلاً بشكلٍ أفلاطونيّ مُجرّد كالثنويّات الشركيّة القديمة (النور والظلام، الخير والشر)، وإنما يكل هذه المهمّة للمستخلفين أنفسهم بما أنّ الشرك كامن في صدورهم؛ في تلافيف الطين الذي يجذبهم إلى الأرض. إن الوجود البراني للمشركين ليس تجسيداً للشرك "المطلق"، بما أن ميثاق الفطرة قد شمل كل بني آدم كما يُبيّن القرآن: (وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). إن هذا الوجود البرّاني للشرك تجسيد لخيبة المستخلف وضلاله عن الغاية بسبب عبوديّته للطاغوت (إما جواني ممثلاً في هواه، أو برّاني مُتجسّداً في السلطة أو المنفعة أو اللذة، بل إن البرّاني مرآة الهوى الجوّاني كما أرى).

إن علاقة التوحيد بالشرك كعلاقة المولى سُبحانه بعبده الآبق إبليس؛ هيمنة كاملة وكُليّة، فالصراعُ يبدأ داخل الإنسان نفسه، بما هو إنسان، في أي زمان ومكان. إن الصراع الجوّاني يتغذّى في جانب على ميراث الفطرة الخُلقيّ ونفخة الروح الإلهيّ، أما الجانب الآخر فيتغذّى على شهوته التي تولّدها حرارة الجبلّة الطينيّة. إن الشرّ الذي قد تندفع إليه الجبلّة الطينيّة لتلبية شهواتها لم يخلقه الشيطان ولم يدفع إليه، بل زيّنه فحسب وأبرز محاسنه وجلاها لمن استسلم لنفسه، فاندفع بعد أن أعمته الشهوة وثقُلت عليه وطأتها. وذلك كما يقرر القرآن على لسان المتكبِّرSadوَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
ولهذا لا يُمكن إعادة الإنسانيّة للفطرة عنوة، فهي ليست كمّاً برّانيّاً ولا أرض ميعاد مُبتذلة، بل هي نفخة الروح الإلهيّ في بنيان البشر.


إن الأيديولوجيا والطوبيا ثنائيّة ماديّة وضعيّة صلبة؛ مناقضة للثنائيّة الإلهيّة الفضفاضة: الوحي والتاريخ (بالمعنى الفلسفي؛ مجال التجربة الإنسانيّة). فالأيديولوجيا هي المحاولة النظريّة لبناء واقع افتراضي برّاني: الطوبيا؛ واقع مادّي يتحقق فيه الإنسان البرّاني ذو البُعد الواحد (مذهب، فرقة، تنظيم، حزب، دولة)، ويتمّ فيه التبشير بالخلاص "النهائيّ" باكتمال الضبط البرّاني من خلال الفقه والقانون.
أما التوحيد فهو دوام سعي المستخلف لتقويم فضاءه الجوّاني، حتّى ينعكس ذلك التقويم على حركته البرّانيّة، ويتسق معها ويُقوّمها؛ ليتوحَّد باطنه وظاهره على وجهة واحدة. إن الفقه والقانون هنا هُما مُجرّد مُكمّلين برّانيين؛ يُُنظمان أثر الحركة الصادرة عن المستخلف. فالخلاصُ في التوحيد ليس آنيًّا ولا برّانيًّا؛ بل هو جوّاني باﻷصل، وإن كان تحقُقه برّانيًّا غير مؤكَّد، ليظلّ المستخلف مستشرفاً يوماً آخرا؛ يوم يأتي تأويلُه.

إن الإسلام حين يرفض التمركز حول البرّاني، فإنه يرفض كذلك التمركُز حول الجوّاني؛ فكليهما يؤدّي لذات النتيجة: حلول الإله في خلقه واتحاده بهم. والإسلام لا يُهمِّش أحدهما أو يُهمله، بل يبدأ من الجوّاني خروجاً للبرّاني، وإن كان يحدد نقطة البدء التي بسببها كُرّم الإنسان على سائر المخلوقات: الجوّاني. إن إله الطوباوي المتمركز حول البرّاني يحلّ (يتجسّد) في التاريخ ليهبه القداسة والسلام الفردوسيّ، فبغير هذا الحلول يُصبح العالم فوضى من الدنس. وفي هذا التصوّر يُصبح البرّاني هو مصدر القيم النهائيّة ومعيارها. لكن الإله عند المتصوّف الغنوصي، المتمركز حول الجوّاني، يحلّ فيه شخصيًّا، ليُصبح الجوّاني فقط هو المعيار والمصدر. إن المركز المتجاوز الذي يفرض التوازن بين الجوّاني والبراني، ويقوّم انحرافاتهما؛ يتم تغييبه في هذه الحال، ليُصبح الميل/الهوى هو مركز النسق. إن كلا النسقين متطابقان بنيويًّا كما يُحدد القرآن، فالمركز الحقيقي للأنساق الشركيّة قاطبة هو الهوى، وإن تدثَّر بغيره وتوارى خلف سواه.

وجوهر التوحيد بالنسبة للإنسان هو الوحدة الشعوريّة للوجهة البرّانيّة، تلك الوحدة التي تنطلق من تجانُس وتوحُّد عناصر وجوده المتناقضة بالمحاولة الدائمة للاحتفاظ بحاكميّة عالم الغيب على عالم الشهادة. إن هذه الوحدة الجوّانيّة تولّد الوحدة الإنسانيّة البرّانيّة تلقائيًّا في ظل التوحيد، فهي تنفي الفوارق الماديّة -شعوريًّا في المجال الجوّاني- بل وتقوّض أي تمييز ينبني عليها، فالطبقات والأعراق الموجودة ماديًّا كجُزء من الواقع الإنساني المركَّب ومجال الكبد، هذه الصور البيولوجية والاجتماعيّة والاقتصاديّة لا يؤسس التوحيد عليها أي تمييز ذي طبيعة "قانونيّة"، بما أنها اختفت من الحسّ والشعور ابتداءًا. وقد كان جبران خليل جبران واعياً بذلك حين قال: إن كان هنالك طاغية تريد أن تثلَّ عرشه، فاستوثق أولًا أن قد تحطم العرش الذي أقمته له في نفسك.

إن التوحيد يحترم حُريّة الإنسان التي كُرًّم بها ولأجلها، والتي تبدأ في مجاله الجوّاني؛ حُريّة الفكر والاعتقاد. لذا فهو يحُثُّه على التغيير الجوّاني أوّلاً، بل إنّهُ يجعل هذا التغيير في حسّه هو كُلّ شيء. فهو مناط التكليف، ومجال عمل القُدرة الإنسانيّة بإذن الله. إنه لا يُحاسبه على الوجود البرّاني إلا ما كان منه أثراً لفعلٍ جوّانيّ (عقد النيّة). وما عدا ذلك، فإن القُرآن يحُث في أكثر المواضع على الجهاد والاجتهاد، ويجعل النصر موكولاً بالمشيئة الإلهيّة فحسب، وليس مُعلّقاً بالعمل ذاته، وإن كان هذا العمل في ميزان النواميس الإلهيّة مُستحقّاً للنصر. إن القُرآن يؤكّد على هذه القيمة في غير موضع، ويُرسّخها بثبات واضطراد، وذلك لئلا يتعلّق المؤمن بعمله، ويرى فيه خلاصه. إنّ هذه القيمة القُرآنيّة تعصم الإنسان من الحلول والنفعيّة الأيديولوجية، تعصمه بمعنى تحجبه عنهما ولا تلغي الإمكانية بما أنها لصيقة بالطبيعة الإنسانيّة، فإذا غابت وتوارت هذه القيمة في حاشية الشعور؛ وقع الحلول.

ومن ثم، فالإسلام، بهذا المفهوم، هو رؤية ربانية تظل غير متحققة نماذجيًّا (بشكل طوباوي) على الدوام، ليصيب الإنسان منها قدر جهده في سعيه لتحقيقها داخل التاريخ، ولا يُصيبها كلها قطعاً، ويمكن في هذا الإطار فهم الأمر النبوي: (ما نهيتكم عنه فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، فالنهي قطعيّ، لكنّ الأمر مُتعلِّقٌ بالطاقة. ورُبّما لهذا أيضاً كان الوحي منفصلاً تماماً عن متون التراث التي أُلفت على هامشه، لفهمه. فهذا التراث ليس حجة على الوحي، بل العكس هو الصحيح. إن هذا يحفظ للتوحيد أصله الربّاني اللاتاريخي المقدس في غمار الفعل التاريخي المدنَّس. إذ قوّة الوحي وفعاليته التاريخيّة اللانهائيّة ترجع باﻷصل لكونه نصّ غير تاريخي، أوفوق التاريخ. نصّ إلهي معصوم. ويولد التوحيد/الوحي في هذا صوّر أيضاً أنساقاً توحيدية (فهم تاريخاني محدود للامتناهي)، لكن هذه الأنساق/المذاهب ليست هي التوحيد وليست حجة عليه، وإلا انتقلنا من التوحيد للحلول (تجسُّد الحقّ المطلق اللاتاريخي في صورة تاريخيّة محدودة). إن هذه الأنساق هي تجسيد لقول صلى الله عليه وسلم: (فأتوا منه ما استطعتم)، فهي الاستطاعة؛ ما استطاع إنسان مسلم تحصيله في زمان ومكان معيّنين. إن هذه الأنساق قد تُنتج أيديولوجيّات/مذاهب ذات أصول توحيدية على أيدي مُقلّديها، وذلك حين يطول عليها الأمد، ليُصبح المذهب/الأيديولوجيا هو ذاته الدين/الحقيقة، حاجباً الوحي، ولو ادعى خدمته. إن التوحيد/الوحي لا ينتج نسقاً واحداً مُلزماً، أو نُسخة برّانيّة مُكررة، لكنَّه يُنتج أنساقاً مُتقاطعة في القاسم الأعظم من تصوّراتها الأساسيّة؛ أنساقاً تقترب من التوحيد وتبتعد عنه بقدر دوام الاجتهاد داخلها، ودوام الصلة بالوحي، فإذا انقطعت الصلة انغلق النسق وتأدلج (أي أصبح أيديولوجيّة/مذهب).

إلى أين؟

إن تحكيم الإسلام ليس بهدفٍ نهائي نسعى للوصول إليه، كما يظُن بعض الجُهّال، ومن ثمّ الإبقاء عليه أو حتّى تجاوزه. إنما هو محاولتنا الدائمة والأبديّة داخل التاريخ، لتصفية النيّة وإخلاص العمل بمنهج الله ابتغاء وجهه وحده، المحاولة الدائمة لتوحُّد الظاهر والباطن في طلب ما يستقيم به وجودهما على الفطرة الإلهيّة؛ قد ننجح مرّة ونفشل مرّات. لكن المحاولة المخلصة في حدّ ذاتها هي ما تعبّدنا الله به، وليس النتيجة. إن الكبد المخلص في العروج إليه، وليس الوصول إليه سبحانه؛ هو مناط التكليف. إن الإيمان ليس "حلّاً نهائيّاً"، ولا هو ب"تصورٍ بديل" للإلحاد، وليس طوبيا يُمكن بلوغها داخل التاريخ فتنتهي بها كل مشاكل المؤمن؛ بل هو التصوّر الوحيد، وما سواه فروعٌ عنه طال عليها الأمد فانحرفت عن الصراط. إن الإيمان ليس مقاماً، بل هو حال الساعي لإدراكه. ولعلّ هذا ويفسر الأمر الإلهيّ الذي يلتبس على الكثيرين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ). فالإسلام ليس طائفة ولا مذهب بعينه قد تجسّد في دنيا الناس؛ بل هي الدعوة الإبراهيميّة لإنشاء أمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في كل زمان ومكان.


إن الإيمان بما أنه محاولة دائبة (جوّانيًّا وبرّانيًّا) للتحقُق داخل التاريخ، فهو يشكل مع الكفر/الشرك (شرك العمل، وكفر النعمة) ثنائيّة فضفاضة. أما التوحيد نفسه بما أنه نقطة البدء الثابتة التي ينطلق منها السعي، فهو يشكِّل مع الشرك (الشرك بالله) ثنائيّة صلبة؛ فلا يُمكن أن تبدأ عروجك إلى الله من أرضيّة شركيّة، وإن كان ممكناً ان تبدأ بحثك عنه -أفقيًّا- من هذه الأرضيّة. إن الإيمان الذي قصده السلف بأنه يزيد وينقص هو الإقرار (قولاً وعملا) بحاكميّة الوحي ومدى إلزامه، فهذا يزيد وينقص بالعمل والاقتراب أو النبذ والابتعاد، وما لم يُستحلّ المحرَّم، فهو ينطبق عليه قول المعصوم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولايشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن. وفي رواية و"التوبة معروضة بعد")، فهو شرك عمل لا يُخرج من الملة، وإن كانت جسامته اقتضت اعتباره شركاً. أما إنكار إلزام هذا الوحي كُليًّا أو جزئيًّا، فهو ليس إنكاراً -غير مباشر- لمصدر الإلزام فحسب، بل هو إشراك آلهة أخرى مع الله في تنظيم حياة خلقه (وهو غير التقنين بطبيعة الحال)، وهو شركٌ مُخرج من الملة لا توسُّط فيه. وهو يستوي في ذلك مع الشرك بالله ابتداءا.
لقد كان أستاذنا علي عزت بيغوفيتش رحمه الله يرى أن الإسلام في مجمله دعوة للالتصاق بالفطرة الإنسانيّة؛ فلا يُبدد الإنسان جهده طمعاً بأن يُمسي ملاكاً معصوماً لأن ذلك مستحيل، ولا يُدني نفسه لدرك الحيوان لأنه لا يجدر به ذلك. وأنا أهدي هذه المقولة لمن يتسمون بالإسلام والعلمانية (بكافّة طوائفهم وأنواعهم)؛ والذين يتفقون في الكثير برغم اختلافهم الظاهري. فعلى حين يرى الأوّلون أن "المؤمن" كائن ملائكي لا يُذنب ولا يأثم، فإن الآخرين يظنون أن السقوط هو القاعدة، رُبّما تأثراً بفكرة الخطيئة الأصليّة في المسيحيّة! فأيّما امريء تاب ورجع عن خطيئته عيّروه ب"أصله" كأن الذنب وصمة لا تزول! إن هؤلاء وأولئك يذكّرونني بالمجتمع المنحطّ الذي اصطلاه جان فلجان بطل رائعة فيكتو ايغو؛ البؤساء. إنه نفس المجتمع الذي ضحّى بالحلّاج ورضي بسجن ابن حنبل وكفّر ابن رشد. إن ما يجمعهم هو التصوّر الطوباوي (نسبة للطوبيا) للإيمان والكفر، باعتبارهما فعلاً نهائيًّا يأتيه الإنسان ليستقر في الجحيم أو في الملكوت، وهو ما يُسميه الصوفية مقاماً. وكأن التوبة ليست معروضة بعد! إن إسلام البعض هو في جوهره مقلوب للعلمانيّة؛ مقلوب الديباجات بنفس التصوّرات. إنهم يختزلون الإنسان في بُعد واحد؛ روح أو جسد، ويرفضون الإنسان الربّاني المركّب كأنه جُذام!

إن التوحيد والأيديولوجيا يفترقان في ملمح رئيسيّ يُلخِّص ما نذهب إليه؛ أن التوحيد نسقٌّ منفتح باحتفاظه بعلاقته مع الوحي اللاتاريخي المعصوم، أما الأيديولوجيا فنسقٌّ انغلق إمّا بسبب تآكُل الصلة مع الوحي، أو بسبب كونه ذي مصدر وضعيّ أصلاً. إن النسق التوحيديّ المنفتح يحتفظ للإنسان بوعيه التاريخي وهويّته الربّانيّة، ويُرسّخ انتماؤه لقافلة بشريّة فوق الزمان والمكان؛ قافلة حملت همّ الدعوة إلى: لا إله إلا الله. أما الأيديولوجيا فإنه تحجب ذلك الوعي تماماً كما حجبت الوحي، وهي بذلك تحجب الإنسان عن أصله وتجعل مصيره غامضاً مُظلماً مخيفا. إن أصحاب الأنساق المنفتحة ذوي رؤى تفاؤليّة للتاريخ، فهُم يؤمنون بالغيب، بل يستشرفونه في آيات الذكر الحكيم، ومن ثمّ فالرحمة الإلهيّة تغمُر عالمهم ولو غرق في الألم؛ إنهم يؤمنون بعالم آخر، فليس هذا العالم هو كُلّ شيء، وليس هو الفردوس الذي ينتهي فيه الألم، فهي دار ابتلاء وتمحيص. أما أصحاب الرؤى الأيديولوجيّة الطوباويّة المنغلقة، فهُم غالباً مسجونون في عالم الحواس، يمزّق نياط قلوبهم صرخات المعذّبين، فلا يجدون عزاءا؛ إن الواقع المادّي لا يشي بشيء بعده، فهو كلّ شيء، وإن كانت الحياة الدنيا هي الفردوس الموعود، فإن الإله الذي يرتضي بشقاء عبيده في فردوسه، ليس سوى أسطورة من الوحشيّة والساديّة. ومن ثمّ كان الإيمان به عبثا.

إن التوحيد والأيديولوجيا يعملان في اتجاهين مختلفين تمام الاختلاف؛ ففي حين يبدأ التوحيد من الجوّاني خروجاً للبرّاني، فإن الأيديولوجيا -على العكس من ذلك- تتمركز حول البرّاني، وقد تفرضه على الجوّاني في لحظات نماذجيّة معيّنة. إن هذا التعارُض في اتجاه الفعاليّة ومسارها ليس تعارُضاً شكليًّا؛ بل هو جوهر الفارق بين التوحيد والشرك. فتحقُق الإنسان الربّاني هو الأولويّة في التوحيد، في حين أن تحقق الإنسان ذي البُعد الواحد برّانيًّا هو كُلّ ما تُبشِّر به الأيديولوجيّات. إن التوحيد يبدأ من مكمن السمو الإنساني وسبب التكريم الأدمي؛ من نفخة الروح، في حين يبدأ الشرك ويتقوقع غالباً في تلبية نداء الطين، ولو أسبغت على ذلك دعاوي هيومانيّة ميتافيزيقيّة.
إن الإسلام دين، أو هو الدين كما سمّاه ربّ العالمين، وليس مذهباً ولا أيديولوجيا. وإن كان تأجُج حرارة التمذهُب في الإسلام قد ارتبط تاريخيًّا بالصراعات الطائفيّة والعرقيّة، بل والصراعات السياسيّة بوجه خاص، والتي ميّزت الحقب التي تنغلق فيها الأنساق بابتعادها عن مركزها التوحيدي. فإن الصياغة الأيديولوجيّة المعاصرة للإسلام هي مجرّد رد فعل للأجيال المسلمة المهزومة على اكتساح الأيديولوجيات الغربيّة منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ بعد أن أفزعهم نشاط هذه الأنساق وقدرتها الصراعيّة الفائقة، وإن غفلوا عن طبيعتها الإلحاديّة الأصيلة، فصاغ بعضهم -عن حسن نيّة- الإسلام في ثوبٍ إلحاديّ؛ طنّاً أن ذلك قد يُسهم في "الصراع مع الغرب"، بغير أن يفطن إلى أنه يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. وشاع ذلك لا ليُفسد الحركات الإسلاميّة فحسب، بل ليشوّه تصوّرات جمهور المسلمين إلا من رحم ربّي.
والله تعالى أعلى وأعلم.
عبد الرحمن أبو ذكري
http://sayyid-qutb.blogspot.co.uk/20...g-post_28.html


noeeleesa

عدد المساهمات : 195
تاريخ التسجيل : 25/02/2009

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى